ابن عجيبة

371

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم كذّبهم الحق - تعالى - فقال : بَلى ؛ عليهم في ذلك سبيل ، فإن مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى الشرك والمعاصي فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ومن أحبه اللّه كيف يباح ماله وتسقط حرمته ؟ ! بل من أسقط حرمته فقد حارب اللّه ورسوله ، أو مَنْ أَوْفى ، بعهد اللّه من أهل الكتاب ، فآمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - وَاتَّقى الخيانة ، وأدى الأمانة ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . وأوقع المظهر موقع الضمير العائد إلى « من » ؛ لعمومه ، فإن لفظ المتقين عام يصدق برد الودائع وغيره ، إشعارا بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة الشريعة ، فتساهل في أموال الناس وسقطت لديه حرمة العباد ، حتى لا تثق به في حفظ مال ولا أهل ، فإذا أودعته شيئا أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية ، لا يرضاها أدنى الناس ، فما بالك بمن يدعى أنه أعلى الناس ، وفي بعض الحكم : [ كمال الديانة ترك الخيانة ] ، وأعظم الإفلاس خيانة الناس ، وفي الحديث : « ثلاث من كنّ فيه فهو منافق ، وإن صلّى وإن صام وزعم أنه مؤمن ، إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » . فإذا احتج لنفسه الأمارة ، وقال : لا سبيل علينا في متاع العوام ، فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام ، واستحق أن يعلو مفرقه الحسام . واللّه تعالى أعلم . ومن جملة الخيانة : أكل أموال الناس بالأيمان الفاجرة ، كما أشار إلى ذلك الحق - تعالى - فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 77 ] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أي : يستبدلون بالوفاء بعهد اللّه كالإيمان بالرسول - عليه الصلاة والسلام - الذي أخذ على بني إسرائيل في التوراة وبيان صفته ، وأداء الأمانة ، فكتموا ذلك واستبدلوا به ثَمَناً قَلِيلًا ؛ حطاما فانيا من الدنيا ، كانوا يأخذونه من سفلتهم ، فخافوا إن بيّنوا ذلك زال ذلك عنهم ، وكذلك الأيمان التي أخذها اللّه عليهم لئن أدركوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه ، فنقضوها ، خوفا من زوال رئاستهم ، فاستبدلوا بالوفاء بها ثمنا قليلا فانيا ، أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ أي : لا نصيب لهم ، فِي الْآخِرَةِ ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بما يسرهم ، أو بشئ أصلا ، وإنما الملائكة تسألهم ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ نظرة رحمة ، بل يعرض عنهم ، غضبا عليهم وهوانا بهم ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ؛ لا يطهرهم من ذنوبهم ، أو لا يثنى عليهم ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : موجع . قال عكرمة : نزلت في أبى رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيى بن أخطب ، وغيرهم من رؤساء اليهود ، كتموا ما عهد اللّه إليهم في التوراة في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من بيان صفته ، فكتموا ذلك وكتبوا غيره ، وحلفوا أنه من عند اللّه ، لئلا يفوتهم الرشا من أتباعهم .